الأحد، 30 ديسمبر، 2012

سوريا و لعبة الامم , الورقة المفضلة للجميع

ليس جديدا على سوريا خاصة (وبلاد الشام عامة) ان تكون ورقة لعب مفضلة  للدول كبرى و الاقليمية و سبب هذه الاهمية ليست متعلقة فقط بالموقع الاستراتيجي فالعالم العربي بحد ذاته العراق و الجزيرة العربية و مصر ايضا هي ذات مواقع استراتيجية, لكن العامل الاكثر اهمية والذي اتضح تأثيره بشكل كبير هو التنوع العقائدي , ونعني هنا بالتحديد الاقليات التي طالما لعبت دور المعول في تحطيم وحدة البلاد . لكن لنتعرض بسرعة على اخر الاحداث التي لعبت فيها الاطراف الخارجية دورا رئيسا في قلقلة الاوضاع الداخلية  في سوريا .
 في عام 1920 كانت فرنسا المسيطر الاكبر على سوريا و لبنان ,بينما كانت بريطانيا تتحكم بالعراق و الاردن , في ذلك الوقت كانت الزعامات الدرزية قد انقسمت الى قسمين , قسم كان يريد الانتداب الفرنسي و الانفصال عن سوريا , وقسم اراد الانضمام لحكم فيصل الشريف الواقع تحت الانتداب البريطاني , وبطبيعة الحال فإن الذين طالبوا بالانضمام للانتداب البريطاني لم تكن لهم نفس حصة من كانوا وقتها تحت الانتداب الفرنسي. و في عام 1925 كانت الامور ملتهبة جدا في سوريا حيث كانت الكتلة الوطنية تناضل في سبيل الاستقلال عن الانتداب الفرنسي  ,فقامت السلطات الفرنسية باستدعاء سلطان الاطرش من الاردن للحوار معه و لكنها اعدت له كمين اعتقل فيه بعض اقاربه  وهرب هو,فقام بجمع 250 مقاتلا و اتصلت به فيما بعد القيادة الوطنية في دمشق فتكون لديه جيش بما يقارب الالف رجل ,فقام بشن حملات على بعض القرى الدرزية لطرد الفرنسيين منها , فقامت سلطات الانتداب بالافراج عن الزعماء المحتجزين لتهدئة الاوضاع ,لكن بريطانيا لخلافها مع فرنسا وجدتها فرصة ذهبية لاضعاف النفوذ الفرنسي فقامت من الاردن بتشجيع  الدروز ودعمهم بالسلاح (1).
و كانت تركيا الكمالية السباقة في استخدام التلون الطائفي في سوريا حيث قامت بدعم النصيريين من اجل اضعاف الفرنسيين من اجل استرجاع السيطرة على مدينة (قلقيلية) التي تنازل الفرنسيون عنها عام 1921 للاتراك , وهو نفس العام الذي استسلم فيه صالح العلي للفرنسيين لاحقا بعد انتهاء الدعم الواصل اليه من تركيا ,و كان صالح العلي هاجم الفرنسيين بسبب ايقافهم لحربه ضد الاسماعيليين في منطقتي القدموس و مصياف (2) .
و كان لدخول لاعب جديد للساحة السياسية في العالم العربي , الا وهو الولايات المتحدة , دور ايضا في التلاعب بالمصير السوري , فقامت امريكا بدعم حسني الزعيم و من بعده الشيشكلي (3) و كانت العراق الحالمة بالهلال الخصيب تدعم الحناوي و حزب الشعب و قامت لاحقا بدعم الحزب القومي للقيام بإنقلاب عام 1956 بقيادة النصيريين و الدروز (4)بينما مصر و السعودية كانتا تدعمان الحزب الوطني او أي فصيل يعارض حلف بغداد و الهاشميين (5) . و لكن الاطماع تحولت لاحقا بعد الانقلاب المثير للشبهة عام 1963 المعروف بإسم (الثامن من آذار) لتختفي تدريجيا حيث كانت اخر محاولة خارجية لتغيير الوضع الداخلي في سوريا عبر الجاسوس الاسرئيلي الشهير (إيلي كوهين) عام 1965 و الذي انتهت مهمته بعد تسهيل الطريق للاقليات للحكم والانقلاب بعد سنة على آخر زعيم عربي مسلم (أمين الحافظ)  و انتهت عميلة التدخلات بعد ضمان أمن اسرائيل بعملية بيع الجولان 1967 , و تم تثبيت حافظ في الحكم بعد التشديد على هذا الضمان من خلال مسرحية 1973 التي تراجع فيها الجيش السوري من حدود 1967 نحو 5 كيلومترات للخلف . فلم يعد من داع للتدخل بعد التخلص من الرؤوس الكبيرة من قبل حافظ و اعوانه و بعد ضمان الامن الصهيوني حيث تحولت الجبهة الاسرئيلية السورية الى اكثر الاماكن امانا في العالم و مكانا للاستجمام للسياح .
و ستبقى سوريا ورقة يلعب بها الجميع لحين ايجاد نظام يقوم بوضع الاقليات في مكانها الصحيح و افهامها أن شروط بقائها تتعلق بمدى رغبتها في الوصول الى السلطة التي لم و لن تصل اليها الا على دماء المسلمين , وعليها الاختيار فيم تريد .

1-    قراءة في تاريخ سوريا الحديث :جعفر الدندشي ص 81 -82
2-    بلاد الشام :وجيه كوثراني  ص 372 – 373
3-    الجيش و السياسة في سوريا : بشير سرور زين العابدين
4-    المصدر السابق ص 267 – 268
5-    المصدر السابق ص 30 , ص 108

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق