الأربعاء، 9 يناير، 2013

حزب البعث الجاني ام الضحية ؟




يعتقد العديد من المحللين السياسيين ان سبب ما يحدث في سوريا الآن و منذ اكثر من 40 سنة هو بسبب حزب البعث , مختزلين بذلك احداث سوريا بمنظر له قالب سياسي.
هم محقون في ذلك ,و  لكن ظاهريا , فحزب البعث نفسه لو كان له لسان لنطق ببراءته مما يحدث الان, وتلك ليست شهادة له بالبراءة , بل هي شهادات مؤسسيه انفسهم الذين اسسوه و شاهدوه يتحول امامهم من فكرة مبهمة الى مسخ مسعور مشوه , ولسان حالهم يقول فيه المثل العربي "سمّن كلبك يأكلك" .
تأسس حزب البعث عام 1947م على يد ميشيل عفلق و صلاح البيطار عندما عاد كلاهما من فرنسا عام 1933 (1) و في نفس العام شكلت لجنة لوضع دستور الحزب وكانت تتشكل من (مييشل عفلق – صلاح الدين البيطار - وهيب الغانم - عبد المنعم الشريف - صدقي إسماعيل - جمال الأتاسي - عبد البر عيون السود) , وتم تشكيل هيئة تنفيذية تشكلت من (البيطار – جلال السيد -  وهيب الغانم )و انتخب عفلق عميدا للحزب (2) . و في نشأة البعث نفسه لم يكن مكونا من تيار واحد متجانس ,بل تشكل من 4 احزاب 3 منها تحمل إسم البعث خلال الفترة بين 1944 -1947 و الرابع هو حزب الحوراني (العربي الاشتراكي) الذي اندمج مع البعث سنة 1952 ايام حكم الشيشكلي بعد خلافه مع الحوراني , والاحزاب هذه يتكلم عنها نبيل الشويري قائلا :" الحزب في الأساس أربع كتل ولكل كتلة نكهة خاصة ولها اتجاه يختلف عن الأخرى, فمنها من كان يعتبر نفسه يسارياً والبعض يعتبر نفسه يمينياً, ومنها من يغلب القومية على الاشتراكية ولا يجد غضاضة في التعامل مع البرجوازي, بينما يكن الآخر العداء للبرجوازية, فضلاً عن أن البعض كان يصر على علمانية الدولة بينما يعتقد البعض الآخر بأن من الضروري مسايرة التيار الإسلامي. إذن لم يكن هناك حزب متماسك منذ البداية أي مؤسسة سياسية بل كان هناك تجمع لأربعة أحزاب: ميشيل عفلق الذي كان يعتمد على البيطار بالدرجة الأولى, وجلال السيد ذو الفكر التطوري لا الثوري, وهو قومي أولاً وأخيراً ويرغب في الوحدة والتعاون مع الرأسمالية ومع العراق ومع نوري السعيد, وهناك جماعة وهيب الغانم اليسارية ثم أكرم الحوراني وحزبه وأنصاره" (3). و كانت مجموعة وهيب غنيم تعتبر مفكرها الرئيسي هو زكي الارسوزي و من ابرز الاسماء تحتها فايز اسماعيل ,صدقي اسماعيل و سامي الجندي , وجميعهم نصيريون ما عدا الجندي اسماعيلي .
كان الحزب في بدايته ضعيف التأسيس اذا ان عدم تجانس عناصره ادى لكونه حزبا فضفاضا غير واضح في اتجاهاته , فهو أيد انقلاب حسني الزعيم , ثم انقلب عليه , ثم أيد الحناوي , ثم انقلب عليه مرة اخرى , و ساعد في انقلاب الشيشكلي و كان اول من نادى بإسقاطه , ثم ساعد على الوحدة مع مصر, واول من وقع على وثيقة الانفصال , ثم تعاون مع الناصريين للوصول للوحدة مرة اخرى , ثم انقلب على الناصريين انفسهم لاحقا .وكان اكرم الحوراني اكثر العناصر المثيرة للجدل في تاريخ الحزب , فهو حتى بعد اندماج حزبه (العربي الاشتراكي) مع (البعث العربي) كان ينتقد عفلق و البيطار ويسميهم ب(الأفندية) بسبب كونهم استاذة و طلاب و ليسوا عمال او فلاحين (4)و ربما كان ينقم عليهم بسبب كونهم من عوائل برجوازية دمشقية بينما هو من عائلة متوسطة الحال(5).
وكان يشجع الحزبيين على الدخول في الجيش ,و يشجع تحزيب العسكريين للبعث للاستيلاء على السلطة (6) و في فترة الانفصال بعد ان حل عبدالناصر الاحزاب كلها , كان رؤساء الحزب ناقمين بشدة بسبب عدم استلامهم مناصب في سوريا , وكان الحوراني اكثرهم نقمة بسبب عدم اعطائه أي سلطات حقيقية من قبل عبدالناصر فقد كان يمني نفسه بأن يكون نائب عبدالناصر في سوريا , وازدادت نقمته بعد ان رأى ان جمال عبدالناصر بدأ في بعثرة البعثيين  فذهب لعبدالناصر ليشتكي اليه الامر و محرض ضد الاخوان و اثرياء دمشق , ناسيا انه ممثل الشعب السوري و ليس (حزب البعث) فقط .(7) حتى انتهى الامر بالحوراني للانفصال عن الحزب و اخذه بانتقاده متهما الحزب بأنه (باع) نفسه لعبدالناصر (8).
توجد هناك صفتان رئيسيتان تميزان (البعث) , اولهما نزعته الانقلابية و ثانيهما تأسيسه ليكون حزبا للاقليات . يقول مؤسس الحزب (عفلق) في كتابه (في سبيل البعث) " إن حركتنا عربية انقلابية, وقد بيّنا العلاقة بين الانقلابية والصفة القومية وقلنا إن انقلابيتنا تنبع من صلتنا القومية وشعورنا بفقر الواقع وقساوته وضرورة تبديله والقيام بانقلاب يرجع إلى الأمة حقيقتها ويظهر كفاءتها الحقيقية وروحها وأخلاقها"(9) و قال ايضا في كتابه (نضال البعث) معرفا اشتراكية البعث : " اشتراكية انقلابية علمية وإن البعث لا يمكن إلا أن يكون اشتراكياً انقلابياً" (10) و قال مرة اخرى في كتاب (معركة المصير الواحد) : "الانقلاب هو وحده الذي يكون الشخصية العربية من جديد" (11) و عاد ليؤكد مرة اخرى النزعة الانقلابية قائلا :يجب ان تكون الحركة الانقلابية قادرة دائماً وأبداً على إنتاج الأدوات الانقلابية وخاصة الإنساني منها, وأن تجعله موضوع نقدها لتخلصه من كل عور أو انحراف قد يعلق به" (12). يضيف بشير سرور زين العابدين معلقا على كلمات عفلق " ولا شك بأن الكوادر الحزبية كانت وفية لمبادئها إلى درجة أنها اضطرت للانقلاب على منظرها عفلق لتصحيح مسيرة الحزب, خاصة وأنه هو الذي رسخ في نفوسهم بأن تصحيح الحركة في الفكر البعثي لا يتحقق إلا عن طريق الانقلاب! "(13).
اما بخصوص (حزب الأقلية) , فمن المعروف ان حزب البعث في بداياته كان معظم اعضائه من الاقليات الموجودة في الريف لا المدن , و بالأخص الاقليات الباطنية بشكل بارز .الامر الذي جعل سامي الجندي احد اوائل المنضمين للحزب (وهو من اسماعيلي) يقول لقد انتشر الحزب في الریف، ولكنھ كان ضعیفا فًي دمشق وباقي المدن السوریة، وصار الحزب كبیرا فًي جسمھ صغیرا فًي رأسھ، حیث أن الأقلیات الدینیة كانت متواجدة أصلا فًي الریف، ومنھا النصیریون والدروز، وأن المدن كانت أساسا مًسلمة سنیة، في تكوینھا[ الدیمغرافي (14).
بينما يصرح عفلق بكلامه "من خصائص المرحلة الانقلابية اذن ان تكون قيادة الحركة الانقلابية بيد أقلية تترجم حاجات الشعب العميقة"(15) , و كان احد مظاهر هذه العقلية التي لاحظها الجميع هو وقوف الاقلية موقف العداء من الاغلبية , وبغض النظر عن الادبيات الدينية و التاريخية للاقليات التي وصلت للحكم ,فإن فكر الحزب نفسه ساعدها اكثر في ترسيخ فكره الكراهية هذه. وقد وجدت هذه الاقليات في حزب البعث متنفسا و بيئة مثالية لهم لتغطية مبادئهم العقائدية و التي تجلت بشكل بارز عندما تم تشكيل فرقة سرية اسمها (اللجنة العسكرية) ايام الوحدة مع مصر عام 1959 و كانت مؤلفة من 5 اشخاص , 3 نصيريين (عمران , جديد و حافظ) و اسماعيليان (عبدالكريم الجندي و احمد المير) , وتوسعت بعد الانفصال لاحقا لتضم 5 نصيريين (تمت اضافة عثمان كنعان و سليمان حداد) و 6 مسلمين سنة !من اصل 15 عضو (16). بل أنه وبعد الانفصال, ايام حكم اللواء الدرزي عبدالكريم زهر الدين , يقول زهرالدين نفسه بعد انقلاب 1962 الذي طرد فيه النحلاوي , تم استبدال الضباط الدمشقيين بضباط حسب وصفه "لا يضمرون على دمشق و اهلها الا كل حقد و كراهية"(17).
و عند وصول الحزب الى السلطة سنة 1963 , ظهر التناقض في اظهار الحزب نفسه كحزب اقليات و بين اعتبار نفسه حزبا قائدا للدولة , فحصلت عمليات تنسيب جماعي كان نصيب الاسد منها للاقليات و خاصة النصيرية حيث لاحظ  نقولاوس فاندام انه بعد الانقلاب زادت نسبة التنسيب للحزب في طرطوس بنسبة 201% و اللاذقية 146% بينما لم تزد في دمشق عن 41% (18) .
و في نهاية المطاف تم التخلص من كل قيادات الحزب و مؤسسيه و ظهور انقسام بين اعضاء الحزب الذين اخذ كل واحد منهم يتهم الآخر بأنه لا يمثل البعث , بطريقة مثيرة للسخرية . ما حدا بالبيطار ان يستقيل من الحزب نفسه في 10/11/1967م , و فصل الحوراني عن الحزب عام 1962 و هروبه الى بيروت 1964 و تأسيسه لحركة (الاشتراكيين العرب) التي تحولت الى (حزب العهد) , واما  ميشيل عفلق فقد هرب للبرازيل ثم للعراق و صرح منها قائلا بأنه "يشك بأن هذا الحزب حزبه و أن هذه المبادئ هي مبادئه"(19).
و بعد ان انقلب السحر على الساحر , يمكن الاجابة على السؤال الذي في العنوان , بأن البعث هو ضحية و جان في نفس الوقت , ضحية مبادئه و افكاره و حماقته , و جاني على ملايين المواطنين الذين لم يروا منه الا كل شر منذ تأسيسه حتى هذه اللحظة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق