الخميس، 7 مارس، 2013

سوريا اثناء الحرب العالمية الثانية , اغتيالات و ضياع للبوصلة.



اشتعلت الحرب العالمية الثانية في اواخر عام 1939 و حصلت تغيرات في مواقف فرنسا المتصارعة داخليا بين حكومة فيشي و حكومة فرنسا الحرة , و في 6/7/1940 اغتيل عبدالرحمن الشهبندر في عيادته برصاصة في رأسه , وتم دفنه بجوار قبر صلاح الدين الأيوبي ذلك القائد الفذ الذي حرر القدس , بينما لا نعلم ما الذي انجزه الشهبندر غير تفاخره بالقومية الجاهلية و العلمانية المتعارضة مع الإسلام وصداقته مع البريطانيين و الدروز بشكل خاص , فجعلوه اتباعه مجاهدا و شهيدا , ولا يٌعلم له إسلام جاهد فيه او استشهد في سبيله وهو صاحب مقولة (العروبة فوق الجميع).و اتهم في جريمة اغتياله اعضاء بارزون من الكتلة الوطنية مثل (جميل مردم) و (سعدالله الجابري) و(لطفي الحفار) بينما لم تثبت الأدلة على القوتلي و القضماني , حيث كانوا من أبرز معارضي الشهبندر , وفي احد المرات استفز انصار الكتلة اتباع الشهبندر في (فندق الشرق اورينت بالاس) بدمشق حيث اجتمع (الكتلويون) حول مائدة كبيرة قرعوا فيها كؤوس الويسكي و تعالت ضحكاتهم فاستفز هذا الأمر (الشهبندريين) فاشتبكوا معهم في قتال مخجل بالعصي و الكاسات وما توفر في إيديهم من أثاث الفندق حتى فرّقهم الدرك واطلق سراحهم خشية تأزم الأمور اكثر (1) وللأسف كانت هذه احدى نماذج (الوطنيين) في تلك الفترة المؤلمة من تاريخ سوريا .


الدروز يستقبلون الشهبندر في دمشق عام 1937



. خشيت  حكومة فيشي من استقواء السوريين بعد انتصارات هتلر فقامت باستدعاء المفوض (غابريال بيو)في 10/12/1940 و تعيين الجنرال (هنري دانتز) (1940-1941) بدلا عنه , و أحضر (دانتز) الرئيس السابق (الداماد احمد نامي) الذي قام بتعيين (خالد العظم) كوزير اول رئيسا للحكومة ,وكان هذا اول ظهور للعظم على المسرح السياسي , فاستشار (خالد العظم) (شكري القوتلي) فأشار عليه هذا الأخير بأن يطلب من المفوض الفرنسي تعيين (هاشم الأتاسي) بدلا من الداماد لكون الأخير غريبا عن البلاد , وإن لم يمكن ف(خالد العظم) ,ففرح الأخير بهذا الطرح الذي عرضه على الفرنسيين فوافقوا عليه و اصدر (دانتز) مرسوما بتاريخ 5/4/1941 يقضي تعيين الاتاسي رئيسا و العظم وزيرا اول بالرغم من أن هذه الوزارة استمرت 5 شهور فقط (2) . في عشية اجتياح الألمان لباريس جاء مسرعا من فرنسا (تاج الدين الحسني ) الذي كان يقيم في باريس وقتها بسبب علاقاته الطيبة مع المسؤولين الفرنسيين , و علم (دانتز) ان الحسني قد قدم لدمشق بإيعاز من البريطانيين حلفاء (الديغوليين) , و قام الحسني بتحريض احد جنرالات (دانتز) وهوالجنرال (كولييه) للانضمام للقوات البريطانية في فلسطين , وعندما حصل ذلك قام (دانتز) بنفي (الحسني) الى برمانا في لبنان , ولكن الحسني بقي على اتصال مع البريطانيين عن طريق السفير الأمريكي (اينفرت) في بيروت , و بينما كانت قوات (فرنسا الحرة) تجتاح دمشق مع البريطانيين اشتبكت مع قوات (حكومة فيشي) في معركة استمرت عدة ساعات  فطلبت الاخيرة حق الذهاب لفرنسا وترك البلاد , فتم لها ذلك (3) وعندما جاء ديغول بنفسه الى سوريا قام بزيارة لبيت (تاج الدين الحسني) و وعده بأن تحصل سوريا على استقلالها بشرط بقاء العلاقات الودية بين البلدين , واتضح لاحقا ان هذا الوعد لا يساوي شيئا حيث لم تعط فرنسا الاستقلال لسوريا الا بعد تهديد البريطانيين بقصف الفرنسيين اذا لم يعطوا السوريين استقلالهم كما سنشاهد بعد 4 سنوات .
كان مجيء البريطانيين انقاذا لهيبة فرنسا في سوريا , التي ما أن ضعف دورها حيث لم تتعدى سلطتها حدود دمشق , حتى اخذت الطوائف بنزع يدها من الفرنسيين ووضعها في يد البريطانيين , حيث امتنع الدروز عن التعامل مباشرة مع البريطانيين و لم يعد النصيريون يثقون في فرنسا حيث قد اشار تقرير للمخابرات البريطانية في تلك الفترة أن النصيريين كانوا يرغبون بحكومة بريطانية بديلة عن فرنسا وتوقع التقرير أن يكون النصيريون اكثر فئات المجتمع السوري خدمة لبريطانيا في المستقبل القريب (4) .
طلب الحسني من ديغول ان يستدعي (جميل مردم) من بغداد , حيث هرب هناك هو و الجابري و الحفار بعد اتهامهم بقتل (الشهبندر) و طلب العفو عنهم , فوافق ديغول على ذلك ,و اتفق الحسني و مردم على انه اذا استلم احدهما رئاسة البلاد يستلم الآخر رئاسة الحكومة , و كان الحاكم الخفي لسوريا في تلك الفترة القنصل البريطاني في دمشق الكولونيل (غاردنر) الذي اتصل به (تاج الدين الحسني) بعد أن رأى رغبة (كاترو) في تعيين (الأتاسي) بدلا عن (الحسني)  فضغط (غاردنر) على (كاترو) قائلا له أنه ليس من حق الحكومة الفرنسية التصرف كما تشاء و ان لبريطانيا ايضا رأي , كما اتصل الحسني بصديقه الجنرال (كوليه) الذي هدد بالانضمام لقوات فيشي , فرضخ كاترو لهما و تم تكليف (تاج الدين الحسني) برئاسة سوريا في 12/9/1941 , و بين هذا و ذاك كان الحسني يملك انفا نادرا ما يخطئ في معرفة الطرف القوي ليقف في صفه , لكنه مع ذلك للأسف لم يستقوي بأبناء بلده كما كان يستقوي بالفرنسي و البريطاني , و تغلبت براغماتيته على مبادئه , فلم يقم في أي فترة من فترات حكمه التي امتدت ما بين (1934-1936) و (1941-1943) بمحاولة إرجاع الهوية الدينية للبلاد او تقليل من شعواءية العلمانية فيها بل إنه و في رده على خطاب (كاترو) الذي قام بتفويضه برئاسة سوريا قال بأن فرنسا و سوريا تربط شعبيهما صداقة منذ اقدم العصور(5) , و لا نعلم هل يقصد بتلك الصداقة حملات القائد الفرنسي (جودفري دي بايو) الذي ارتكب مجزرة (بيت المقدس) او (رايموند الرابع) صاحب مجزرة (انطاكية) ام حملات الفرنسي الماسوني(نابليون بونابرت) التي احتلت فلسطين و اجزاء من سوريا.

الشيخ تاج الدين الحسني مع الجنرال ديغول و الجنرال كاترو عام 1941

لم يستطع الحسني الايفاء بوعده بجعل مردم رئيسا للحكومة حيث عارضه الجنرال (كوليه) و انصار (الشهبندر) فوضع بدلا عنه (حسن الحكيم) , وتم تأليف الحكومة من (عبدالغفار الأطرش وزيرا للدفاع الوطني(الذي هدد بالقيام عام 1938 بثورة ضد حكومة الكتلة الوطنية عندما قامت بتعيين احد المسلمين حاكما للسويداء(6) و منير العباس النصيري حاكم اللاذقية وزيرا للبرق و الهاتف و فائز الخوري وزيرا للخارجية و فيضي الاتاسي وزيرا للمعارف و بهيج الخطيب وزيرا للداخلية و حكمت الحراكي للتموين) و في 12/9/1941 اعلنت سوريا استقلالها و اعترفت به اليمن و مصر و السعودية اولا ثم تلتهم بريطانيا التي ارسل ملكها جورج السادس برقية تهنئة لاستقلال السوريين و  اصدرت فرنسا الحرة في 21/9/1941 تصريحا تعترف فيه باستقلال سوريا (7). استقال الحكيم بعد 7 شهور عندما رأى بأن الحسني لا يرغب بظهور أحد من معاونيه كشخصية بارزة و كذلك عندما منعه الحسني من اعادة فتح التحقيق بشأن مقتل الشهبندر , فعيّن الحسني في 17/4 /1942 (حسني البرازي) الذي ظهر اسمه كذلك لأول مرة على المسرح السياسي وقتها كرئيس للوزراء و الذي انتهت مسيرته لاحقا بقتله على يد الدروز هو و (حسني الزعيم) بعد 7 سنوات من هذا التاريخ .و عيّن بدلا من (عبدالغفار الأطرش)  (حسن الأطرش) ايضا كوزير للدفاع (وهو الذي كان قد رفض الانضمام للكتلة الوطنية في اول نشأتها سنة 1933 بسبب تحريض رجال الدين الدروز و الذي سيقود عملية انقلابية فاشلة في جبل الدروز سنة  1956 والذي ترأس وفد الدروز في حرب 1948 للجامعة العربية حيث عرض عليها حرب اسرائيل مقابل الاستيطان في المناطق التي يحررونها) (8) و عيّن ايضا (منير العباس) حاكم اللاذقية وزيرا للأشغال العامة و فائز الخوري وزيرا للخارجية و المالية و خليل مردم وزيرا للمعارف و محمد العايش وزيرا للاقتصاد , وفي مايو/ايار 1942 قدّم الوزير المفوض البريطاني اوراق اعتماده و تم الاحتفال بها بحفاوة بالغة  , ونسي الناس اليهود في فلسطين و وعد بلفور المشؤوم و احتلال بريطانيا لفلسطين و لمصر و العراق , فكانت الاحتفالات تقام على أهون الأسباب التي يفرح بها الشعب الساذج. 
 على اثر خلاف بين البرازي و الحسني تمت اقالة البرازي الذي استشفع بالقنصل البريطاني ليعيده لمنصبه و لكن هذا الأخير رفض طلبه (9) وتم تعيين (جميل الألشي) في 8/1/1943 بدلا عنه , ولكنه لم يستمر طويلا إذ انه بعد 9 ايام , و في 17/1/1943 توفي (تاج الدين الحسني) مسموما , حيث تدهورت صحته و اثناء اعطاءه العلاج بحقن من (الداجنان) سأل الطبيب اللبناني (يوسف حتّي) عن الكمية التي يعالج بها فلما علم بعظم الكمية ضرب جبينه قائلا (لقد قتلتموه) , و ساورت الناس الشكوك حول ما اذا كان التسميم عملية مقصودة او غير مقصودة (10), ولكنه في النهاية توفي دون أن يكمل فترة رئاسته و انتهت صفحة الرجل بغموض لا يقل عن غموض تصرفاته في حياته التي كان يتقلب فيها بين المسؤولين الفرنسيين مستندا اليهم تارة و الى البريطانيين تارة اخرى . 
تاج الدين الحسني مع الجنرال كاترو عام 1942
 وبينما الامور تسير بين السياسيين على هذه الشاكلة , كان الفرنسيون يزيدون من نسبة الاقليات الباطنية في الجيش حيث اخذت تتبع سياسة المحاصصة الطائفية في ضباط الجيش حيث يشهد احد الضباط النصيريين (محمد معروف) بأن السرية التي كانت تحت امرته في البوكمال سنة 1943 جميعها من النصيريين و تولى هو اختيارها و تدريبها كما كان الامر نفسه في تل كلخ عندما عينوه آمرا عليها حيث كانت الغالبية العظمى من الجنود و الرقباء من النصيريين (11) كما شهدت الفترة  1943-1944 تسريحات كثيرة بين صفوف الضباط المسلمين بسبب تمردهم على القيادة الفرنسية و رفضهم المشاركة في ضرب الثورة التي اندلعت لاحقا في عام 1944(12)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق